مروة الجميل تكتب: طلقة جنون

كان هناك قابعا قاطنا احدى الأرصفة رجلا ربما فى منتصف العقد الثالث من عمره أو على مشارف الرابع مرتديا ملابس رثة تفضح أكثر مما تستر كم الاتساخات التى كست ملامحه لم تنصفنى فى تحديد ملامحه الأساسية شعره الأشعث وذقنه الطويلة تدلان على رجلا لم ينظر للمرأة شهور وربما سنوات من المؤكد أنه نسى ملامحه أو قاصدا أن يتناساها .

عيناه الغائرتين تحملان بين ثناياها الكثير،.. رسالات عدة من الواضح أنه أراد أن يرسلها ولكنه عاجزا، شقوق كعبيه كشقوق حجرا أصم أراد أن يصرخ رافضا واقع مرير ولكنه إثر الصمت أو ربما أجبره القدر على التزام الصمت.

أخذ يتمتم بألفاظ غير مفهومة ويتلعثم فى حديثه مع نفسه حك شعره بأصابعه المتسخة ولازال يتمتم وصارعنى فضولى لمعرفة حكايته هذا الرجل الذى افترش الرصيف تختا له والتحف بسماء ربه غطاءا له.اتجهت لصاحب الكشك القابع جواره بعد ان فشلت فى التواصل معه لفقدانه توازنه وتلعثمه المتكرر.

‎وبدأ يسرد حكاية هذا الرجل الغريب ربما أدركها من بعض التمتمات والألفاظ الغير مفهومة التى كان يتمتم بها ولسخرية القدر افتراشه للرصيف المجاور لمحاله القديم محال السلاح الذى كان يمتلكه ابويوسف ولكنه فقد_ فقده كما فقد كل شىء فقده حين فقد بيته وولده وتجارته .بل فقد نفسه ذاتها.

‎أبو يوسف كما كان يتمتم دائما تاجر السلاح الذى امتهن تلك المهنة مع والده من زمن_طالب كلية الحقوق المثقف الوسيم وحيد والديه الملتزم دينيا ودنيويا جميع سبل العيش الرغد كانت موفرة أمامه مابين تعليم ومال وثقافه وحسب ونسب قضى زهرة ريعان شبابه ولكن كان له ان يكمل نصف دينهذلك الشاب الوسيم من المؤكد انه كان حلم كل فتاة تزوج من من ظن انها ربة الصون والعفاف وبالطبع شاب فى مثل ظروفه كانت احلامه كطيور الحرم محرم قتلها ومابين لحظات سعيده وأيام اسعد رزقه الله بابنه الوحيد-يوسف- فرحة عمره بل فرحة عمرالاسرة كلها سليل الحسب والجاه والمال.
‎اضطربت العلاقه بينه وبين زوجته واصبحت على حافة الهاويه بل بدأت بالفعل فى الانهياروتصاعدت المشاكل ورسم القدرمشاكل جمة علىى صفحة حياته وانهار صبره وصبر سليلة الجاه والمال.

كانت الزوجة الجميلة دائمة السفر والسهر، محبة لحياة البذخ والترف وبالطبع تعددت علاقاتها وتبدلت أحلامها وانجرفت بتيار الحب الزائف خلف عشيق مخادع استطاع بمنتهى الحنكة والمهارة ـن يقتحم أسوار قلبها الثائر المتعطش للعشق وتكررت اللقاءات الساخنة بينها وبين العشيق وفى كل لقاء كان يلعب العشيق المخادع بأصابعه الساحرة على جسد تلك الفاتنة ليطفأ نار شوقها ويخمد لهيب نارها المتأججة للعشق.

عذوبة أنفاس العشق ولذة الجنس كانتا تسكراها حد الثمالة وبجسدها الساحر كانت قادرة على إثارة شهواته الجامحة حد الشبق، وسلب عقلها متناسية لأمومتها معاندة لقدرها ضاربة بعرض الحائط شتى القيم.

وكانت غرفة نوم أبو يوسف شاهدا على تلك العلاقة الآثمة وكأن تخته حلبة مصارعة لعلاقة زنا بين زوجته وعشيقها، وبليلة شتوية باردة ادفئها لهيب العشق الاّثم بين العشيقة والعشيق ليكتشف أبو يوسف تلك الفاجعة وكان من البديهى أن يسعى لقتلها بعد أن دنست شرفه وهتكت عرضه ومن المنطقى أن يكون تاجر سلاح فى مكانته سلاحا مرخصا، ولكنه أخفق فى قتلها، أخفق حين ارتعشت أوصاله من هول الموقف وقتها فقط شعر بعجزه فى الدفاع عن شرفه فأصيب بحالة من الهزيان فالجنون مما اضطر للايداع بمشفى الأمراض العقلية .

أبو يوسف خسر كل شىء خسر شرفه وابنه وتجارته، خسر والديه حزنا عليه بل خسر ذاته نفسها ولا أحد يدرى كيف تسنى له الخروج من المشفى. أم ربما الهرب؟.

‎وهاهى نهايته أتى حيث بدأ ولكن بنهاية مؤسفة مدنسة بالخيانة مابين الترف والبذخ بدأ حياته ومابين الاتساخات والملابس الرثة انهاها .ربما ساقه القدر لمكانه القديم، ربما تكون مجرد إشارة لبداية جديدة ولكن بنمط مختلف أو لندم وحسرة على زمن مضى، ولكن فى النهاية هو مازال حى يرزق معتلى أحد أرصفة المدينة بجسد موجود وعقل مفقود…….ويالها من حياة خادعة تبدل حال زائريها من حال الى حال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق