مكتبة حسن كامي ليست الأخيرة.. فن تبديد تركة المثقفين

 

أعادت أزمة مكتبة الفنان الراحل حسن كامي، فتح ملف غاية في الخطورة والأهمية حول مصير مقتنيات المثقفين من كتب ومؤلفات النادرة، التي فقدنا الكثير منها، بسبب غياب الرؤية والإرادة للمحافظة عليها.

أكثر من 120 ألف كتاب، كثبر منها نادر وبعضها لاقدر بثمن تضمها رفوف مكتبة الفنان الراحل والمسرحي حسن كامي، تختلف موضوعاتها لكنها جميعا قيمة ونادرة للغاية، فلا توجد من بعضها سوى نسخ معدودة، والتي يقدر ثمنها بمبالغ طائلة.. لكن تلك الثروة الثقافية تعصف بها أزمة الملكية، حيث نشب خلاف بين أسرة الفنان ومحاميه، عمرو رمضان، حيث قال الأخير إنه اشترى منه المكتبة، إضافة إلى فيلا، فيما ردت الأسرة بأن “كامي” أوصى بأن يمنح المكتبة إلى الدولة، ثم تدخلت وزارة الثقافة لتطلب من النيابة العامة أن تتحفظ على المكتبة، حماية لمقتنياتها المهمة، ومنع التصرف في محتوياتها.

المكتبة بها 4 نسخ من كتاب “وصف مصر” الذي تم إنجازه إبان الحملة الفرنسية، وقد بيعت نسخة واحدة منه سابقا بـ400 ألف جنيه مصري، كما تضم العديد من الكتب القيمة ومنها كتاب “مساحد مصر”، وعليه توقيع الملك فاروق، وأكثر من 600 لوحة لمستشرقين، حسب فرج يونان، مسئول تقييم المكتبة، الذي قال إن بها كتبا لا تقدر بثمن.

وكانت قوة من قسم شرطة قصر النيل في القاهرة نفذت قرار النيابة العامة بغلق مكتبة الفنان الراحل، أول أمس الثلاثاء، ووجدت محامي الفنان الراحل داخل المكتبة، وتم إخراجه وتشميع المكتبة وأخذ تعهد بعدم التصرف فيها.

ما وقع لمكتبة حسن كامي ذكرنا بالعديد من القصص حول كتب ومقتنيات ومؤلفات المثقفين، التي لم تلق الاهتمام والرعاية الكافية، وسنستعرض عدد منها في التقرير التالي..

المعماري الراحل حسن فتحي كان يبني المجتمعات قبل أن يشيد المباني، فظل يحرص في عمله أن يوفر للناس مسكنا مناسبا، يحفظ هويتهم وثقافتهم، لكن مكتبته بعد وفاته لم تجد من يرعاها، فبحسب لدكتور حسين حمودة، أستاذ الأدب العربى بجامعة القاهرة، حاولت أسرة المعماري الكبير توصيل مكتبته النادرة إلى وزارة الثقافة، لكنها لم تنجح في ذلك، لتذهب المكتبة في النهاية إلى جهة أخرى، لم يسمها.

مكتبة “فتحي” ضمت العديد من الكتب في مواضيع منوعة، إضافة إلى مؤلفاته المعمارية، ومنها “قصة مشربية، قصة قريتين، قصة Le Pays d`Utopie،كتاب عمارة الفقراء، كتاب العمارة والبيئة، كتاب الطاقة الطبيعية والعمارة التقليدية”.

أما الكاتب محمود عوض، الذي لقبه الكاتب إحسان عبد القدوس، بعندليب الصحافة المصرية، فقد آلت كتبه إلى الرصيف، وفق الصحفي حسين خيري، المهتم بمقتنيات المبدعين، الذي وجد كتابا نادرا لـ”عوض” بعنوان “أرجوك لا تفهمني بسرعة”، يُباع على أحد أرصفة ميدان الجيزة بجوار شقته بعد شهور قليلة من رحيله.

“خيري” سبق وسأل الكاتب الراحل عن ذلك الكتاب، فأخبره أن لديه نسختين فقط، ولا توجد نسخ من الكتاب في الأسواق، مردفًا أن مكتبة محمود عوض، وهي من أكبر مكتبات المثقفين بيعت إلى تجار الكتب بالوزن، لأن الكاتب الراحل لم يكن متزوجا ولم يرثه سوى أشقائه.

عميد الأدب العربي، طه حسين، كان الأوفر حظا في جيله من الأدباء، حيث أقيم له متحف خاص يحمل اسمه في حي الهرم، واحتوى على مكتبة له، ضمت نحو 30 ألف كتاب في مختلف أنواع المعرفة، وقد تم استرداد ثلاثة آلاف كتاب من دار الكتب والوثائق القومية لتنضم إلى المكتبة، وتوجد المكتبة بالدور الأرضي، وتحتوي على المكتب الخاص بعميد الأدب العربي الذي كان يجلس عليه لفترات طويلة، حيث كان يدرك قيمة كل كتاب موجود في المكتبة التي كونها على مدار سنوات عمره، ويعد قسم الكتب المترجمة من أكثر الأقسام تنوعا، حيث يوجد به أكثر من 4 آلاف كتاب من لغات مختلفة، خاصة اللغات التي كان يجيدها د. طه حسين ومنها اللغة الفرنسية واللغة اللاتينية واللغة الإنجليزية واللغة الروسية، واللغة الفارسية.

ورغم ذلك، فمازال هناك المئات من الكتب الخاصة بالعميد، التي يحاول القائمون على المكتبة استردادها، وقد انتقلت من المكان إلى أماكن أخرى، وقد نجحت بالفعل في أن تصل إلى العديد منها، حتى أصبحت المكتبة ملأى بالكتب الأصلية التي جمعها طه حسين على مدى سنوات عمره، بالإضافة إلى أعماله الأدبية والفكرية والتي تحتل ركنا بارزا في المكتبة.

أما مكتبة الأديب الكبير محمود عباس العقاد، فلم تكن لها نفس حظ نظيرتها الخاصة بـ”طه حسين”، فتوضح أسرته أنها قامت بتسليمها إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب، التي آل إليها الكثير من مقتنياته، وحتى آخر قلم كتب به العقاد، وقد طالبت أسرته من وزارة الثقافة تحويل منزله بأسوان إلى متحف، وهو ما استجابت له الوزارة مؤخرا، لكن المتحف يستعرض جزءًا يسيرا من مكتبته الزاخرة، التي بقى الكثير من محتوياتها لدى الهيئة.

وفي 2010، استلمت وزارة الثقافة المكتبة الخاصة بأديب نوبل نجيب محفوظ من أسرته، حيث قررت إنشاء متحف له بوكالة محمد أبو الدهب بمنطقة الحسين، من المقرر أن تستعرض فيه كتبه ومؤلفاته، لكن وبسبب أثرية المكان، تسير أعمال الإنشاء بوتيرة بطيئة للغاية، كما أن هناك مكتبة أخرى لـ”محفوظ” في منزله بمنطقة العجوزة، وقد اقترح البعض أن يتم تحويل المنزل لمتحف أيضًا، حتى يمكن للعامة والباحثين الاطلاع على مقتنيات الأديب الكبير.

ما سبق أمثلة قليلة من وقائع عديدة، فالكثير من مكتبات المثقفين الراحلين، أما يكون مصيرها المخزن في إحدى الجهات، أو أن تنتهي إلى سور السيدة زينب والأزبكية في وسط القاهرة، بدل أن ينتفع بها الطلبة والباحثون في المكتبات العامة، وهناك تباع بسعر بخس، حيث يشتريها تجار الورق بالكيلو، رغم أنهم أنفقوا عليها عشرات الآلاف من الجنيهات، وقيمتها في العموم لا يمكن أن تقدر بثمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق