زيزي شوشة تلتمس.. الطرق البعيدة

أفكرُ كثيرًا في البنت التي ارتدتْ ملابِسَها كاملةً، دون أن تمنحَ الهواءَ، فرصةً للتلصص، ثم خرجتْ بحذاءٍ مفتوح، إلى شوارع أظلمَها الوحل، يلتفُ حول عنقي شَعْرُها، الذي يبدو كمأساة، أخذتْ شَكَلَ ضفيرةٍ باهتةٍ بعد أن انطفأتْ شُعلتُها.

تلك الفتاة تتمدد في دماغي، مثل ميت، نسي الله أن يُطفئ عينيه، إنها تحومُ حولي، تقفزُ أمامي، تقفُ على رأسي، تُدققُ النظرَ في وجهي، دون أن تنطق بكلمةٍ واحدةٍ، أفكرُ في حضورها الهائل، رغم أن بنتاً أخرى، جردتها من ملابِسِها في ليلةٍ عاصفةٍ، ومشتْ على جثتها، لتعبر إلى الضفة الأخرى.

هل نَسْيَتْ أن تدفنها في أرضٍ بعيدةٍ؟

قالت الفتاة التي عبرت على ظهر الجثة: كان البابُ مُغلقاً، وأصحابُ البيتِ، لم يُغلقوا عُيونَهم مرةً، والأرضُ التي أعرفها لم تستوعب عاريةً،

البنتُ التي دفنت الجثةَ في رأسِها، كانت تبحثُ عن طريقٍ جديد،

في صباحٍ عارٍ، أغلقتْ رأسَها جيدًا، خرجتْ حافيةً، بجلبابٍ لم يُخفِ جسدها، تركتْ وراءها دفئًا على الحوائط، وحزنًا سقط بنعومةٍ، دون أنْ تلمحه العيونُ المفتوحةُ دائمًا.

لم يغلق أحدٌ البابَ وراءها،

لكنهم لم ينظروا يومًا إلى وجهها،

البنتُ الحافية، كانت تحبُ المساحات الكبيرة، الطرقَ البعيدةَ، كانت تظن أن الأرض لا مَالِكَ لها، وأن السفرَ في العتمةِ قادرٌ على إخفائها، ومن ثم يمكنها أن تخلع جلدَها، وتدفن جثتَها، دون أنْ يراها أحد.

البنت التي خلعت جلدها،

وقفت في منتصف الطريق،

أخرجت قلبها للحياة،

دون أن تعرف أنها لم تعد تستطيع الجري،

وأنها جاءت لتمشي بصعوبة،

وتأكل بصعوبة،

ثم تموت بسهولة

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق